أحدث الأخبار

عن ما بعد الإفطارات الرمضانية بكاتالونيا

+ = -

أبوبكر السعيدي*

عرف شهر رمضان العديد من الإفطارات، اتخذت لها أشكال من الحضور والتوزيع الترابي والمؤسساتي، اختلف فيها القول والتفاعل.
سنحاول تناولها كموضوعة للفهم والتفسير، مستعينين في ذلك قدر الإمكان بآلية التصنيف و التحليل، مستجليا للمسكوت عنه، وتوضيح المبتغى و رسالته المبطنة.

لماذا هذه العودة المكثفة للإفطارات ؟ هل كان الإفطار إحسانا؟ ما علاقة الإحسان كفعل رباني ؟ بالفعل التنظيمي والبرمجة الدنيوية؟
ما الحد الفاصل بين الديني والدنيوي ؟
ما هي الرسالات والإشارات المرسلة ؟

شيء عادي أن يتنافس المحسنون في شهر له قدسيته الخاصة، في إطعام المحتاجين والمتضررين من التهميش الاجتماعي، بفعل الدخل و توزيع الخيرات، ولا حتى في استغلال الرمزية الدينية، و قدسية المسلمين لهذا الشهر في نشر قيمة التحاور و الانفتاح الديني الحضاري، للتركيبة البشرية و الإثنينة والعقائدية لكتالونيا، ككل احتفالية تقوم على طقس ديني، لا يمكن فهمها بعيدا عن المقدس و المدنس كمفهومين نُحِتا في الأنتروبولوجيا واستعملتها السوسيولوجيا كإجراء تحليلي لتفسير الفرض الديني وعلاقته بطقس التدين.

و عليه حينما نتحدث عن الإفطارات الرمضانية داخل كاتالونيا و على غزارتها هذه السنة، إن كانت مبادرات فردية لأشخاص امتهنوا هذه العادة، لما لها من امتياز على صنع التمثلات الاجتماعية لأصحابها. أو مؤسسات دينية مدنية سياسية تبرمج الإفطار لا كإحسان وفقط، بل كطقس تديني، ممارسوه هم قاعدة بشرية اجتماعية، إثنية دينية، تحصى بالمئات، إن لم نقل بالآلاف.

هنا نجد نفسنا أمام ثنائية المقدس والمدنس. حيث يتحول اللامرئي إلى ملموس، والمسكوت عنه إلى عنوان القول.
ويمكن فهم هذا بالانتقال من التحضير( القاعة، الوجبات)، إلى الحضور الذي يؤثث على درجة و أهمية الجهة المنظمة، لا كمريدين وفقط بل كشيوخ. و الشيخ هنا كما حدده الأنتروبولوجي حمودي وطوره سوسيولوجيا الأستاذ محمد جحاح، هو ذاك الذي يعلو على الرمز والقائد، هو ذاك الحاضر الغائب، و ليس هو النشاطات، بل هو الضامن للفعل للسقوط في المدنس ميدانيا.

و المتابع للإفطارات هذه السنة، قد يلاحظ تعدد الرموز التي وزعت على الافطارات، كل حسب مروديته، محاولا تقديم تعدد المنافسين على مركز الشيخ، وفي كثير من الأحيان التدافع، والتي وصلت في أغلبها إلى العالم الإفتراضي، كجدال حول أحقية الحضور لفلان أو علان، ومن له الحق في التنظيم؟ هذا أو ذاك؟ والتي وصلت حد السب و الشتم، ليتحول المقدس إلى مدنس في أبهى تجلياته في حوارات العامة الفيسبوكيين.

هذا التنمر والشخصنة، كانت في كثير من اللحظات بفعل فاعل يراد منها تمييع النقاش العمومي في المسلكيات والهوامش، و يتحول فعل المثاقفة الدينية واستثمار الرموز الحاضرة على طول خريطة الإفطارات إلى ماهو في صالح (تمغربيت) كهموم و قضايا، كإشكالات عالقة تستدعي جدية الطرح داخل الجلسات الحميمية كمرحلة أولية. و التي كان على الصحافة والإعلام وحتى الذوات الفاعلة داخل كاتالونيا، متابعتها و المشاركة في رفع مستوى السؤال والطرح، بعيدا عن الضخ في منسوب الشحنات النفسية، والانفعال الاجتماعي، حيث أن الإفطارات عرفت تمرير العديد من الرسائل وبحضور شخصيات لها وزن و صيت،
كمثال وفي نضري المتواضع، محطتان كان على الفاعلين الاجتماعيين والمدنيين تفكيكها والحديث حولها وتحويلها إلى نقاش عمومي لأنها على قدر كبير من الأهمية :
إفطار كورنيا Cornellà de Llobregat كتتويج للقاء طراسة. وإفطار مارتوريل Martorell كختم للإفطارات.

هذان الافطاران يشكلان حلقة مفصلية ومركزية لتركيبة المسؤولين في الحضور. وأخص بالذكر إفطار الختم مارتوريل Martorell حيث التحم المقدس بالمدنس في أقصى وجوهه تدبيرا و حضورا، كان الإفطار باللغة العامية قمة التحالف أو التعاون بين السائدين كتمثيلية للمغاربة والسلطات المحلية بشتى تلاوينها. والأغرب والمدهش، تم في سكوت تام دون تناول لأصحاب الصفحات والفيسبوكيين.

أجزم القول أنها كانت رغبة المال بالقلم وحجر السياسي على الفيسبوكيين، كانت الغلبة لأنصار التحوير والإلهاء.

و صدق نعوم تشومسكي حين قال خطة وخطاطة إلهاء العموم عن النقاش الجدي المثمر الذي ينتج الفارق بين الأمس واليوم تبتدأ من الحلقات الصغرى من ضعفاء القدرة المعرفية موجهين من الدوائر الخفية (سلطة، مال)

وعليه وختامها، ما أحوجنا وأكثر من أي وقت مضى، إلى انخراط المتنورين العقلانيين في النقاش العمومي داخل كاتالونيا، نقاش يطرح سؤال الآن و الهنا، لأن الأهمية والراهنية، هي لطبيعة الأسئلة الجديدة المرتبطة بقفزة التركيبة العمرية لمواطني الدياسبورا.

أبوبكر السعيدي، باحث في السوسيولرجيا


أترك تعليق
تابعنا على تويتر
أوقات الصلاة
صفحتنا على الفايسبوك